أحمد بن يحيى العمري

399

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

قال ابن مليح : والله الذي لا إله إلا هو ، لم أكن قد أطلعت أحدا على ما نويت ولا على ما كنت قد اشتهيت . وأخباره في مثل هذا كثيرة . وكان - على ما ذكر لي - رجلا مبدنا . ربعة من الرجال ، حسن الشكل ، منوّر الصورة ، جميل الهيئة ، حسن الخلائق ، يحفظ القرآن الكريم ، و " التنبيه " في مذهب الشافعي ، وكان فقيه النفس ، مختصرا لكثير من المسائل ، يتلو في أكثر الأوقات ، ويفتي من استفتاه من غير أن يكتب خطه بشيء ، وكان لا يرد نفسه عن الشفاعات إلى أرباب الدولة ، وحاشية السلطان ، وشفاعاته مقبولة ، والوسائل به لا ترد . وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوّه ، فإنهما كانا روحين في جسد واحد ، وكان قد تحصّن بالشيخ ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد غيره على عزله ، وطال ذيله ، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة ، والولاة ترعاه إما للاعتقاد في الشيخ ، أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة ، فتمت أمواله ، وصلحت حاله ، واتسعت دائرة سعادته ، فلم يبق له دأب إلا تلقي من يصل من ذوي الأقدار قاصدا زيارة الشيخ ، لأن " فوّه " طريق " منية المرشد " ، فإذا وصل الزائر أنزله وأضافه ، وشرع في محادثته ، ومحادثة من معه ، حتى يقف ما في خواطرهم اقتراحه على الشيخ ، ثم يبعث به إلى الشيخ ، على دواب مركزه في الطريق بينهما ، وعدة من الأوصاف بما لعله لا يكون عنده ، ثم يعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه ! . قالوا : فكان بهذه الصنعة تم له ما أراد ، فيشهد له من أتاه بما كان في نفسه ، ويقول غيره بالتقليد كعادة العوام في ذلك ، وعندي في كل أمره نظر ، ولو رأيته لكنت وقفت على بعض الخبر . وبالجملة فكان ذا فضل وبرّ ، ومعروف ، ومذهب غير مألوف ، رحمه الله تعالى .